أمسية ثقافية لإشهار كتاب "جسر الزرقاء- شهادات في مواجهة الروايات"
شهد المركز الجماهيري في قرية جسر الزرقاء، مساء يوم الاثنين 16 شباط 2026، أمسية ثقافية مميزة لإشهار كتاب "جسر الزرقاء – شهادات في مواجهة الروايات" لمؤلفيه سمير أبو الهيجاء وسامي العلي، وذلك بحضور واسع من أهالي القرية وضيوف من مختلف البلدات العربية، وبمشاركة لافتة من فئة الشباب، في مشهد عكس حيوية القرية والتفاف أهلها حول مشروع توثيق ذاكرتهم الجماعية وصون روايتهم التاريخية.
افتُتحت الأمسية بكلمة ترحيبية ألقاها رئيس المجلس المحلي، الشيخ مراد عمّاش، أكد فيها أهمية هذا الحدث الثقافي، قائلاً: "جسر الزرقاء ليست مجرد قرية، بل هي قصة صمود وهوية. إن توثيق تاريخها هو خطوة أساسية في حماية ذاكرتنا الجماعية وتعزيز انتماء الأجيال القادمة لجذورها."
كما قدّم د. محمد جربان عضو مركز الموروث الجسراوي، مداخلة تناول فيها دور المؤسسات الثقافية في حفظ التراث المحلي، مشيراً إلى أن توثيق التاريخ المحلي يشكل حجر الأساس في بناء الوعي الجمعي، ويمنح المجتمع أدوات الدفاع عن روايته في مواجهة محاولات التهميش أو الإقصاء والطمس.
بدورها، أكدت سهاد كبها مديرة مؤسسة "تنوير" على أهمية المبادرات الثقافية المجتمعية، قائلة: "الثقافة ليست ترفاً، بل هي أداة تمكين وبناء. مثل هذه المبادرات تعزز ثقة المجتمع بنفسه، وتعيد الاعتبار للذاكرة كعنصر أساسي في تشكيل الهوية."
ولفت الأستاذ محمود عمّاش، مدير قسم الشبيبة في السلطة المحلية، الذي أدار الأمسية بأسلوبه الشاعري الجميل قائلا: " تندرج هذه الأمسية ضمن الحراك الثقافي المتنامي في جسر الزرقاء، الذي يسعى إلى تعزيز حضور القرية في الفضاء الثقافي والتاريخي، وتثبيت مكانتها كحاضنة للذاكرة الوطنية والإنسانية، رغم ما واجهته وما زالت من سياسات عزل وحصار."
معرض فوتوغرافي يوثق الحياة والإنسان
وتخللت الأمسية أيضاً افتتاح معرض فوتوغرافي للمصورة ابنة القرية راميا جربان، بعنوان "ملامح"، عرضت خلاله مجموعة من الصور التي توثق الحياة اليومية في جسر الزرقاء، وتعكس العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان والبحر. وقد أضفى المعرض بعداً بصرياً مكملاً للكتاب، مجسداً الرواية بالصورة إلى جانب الكلمة.
وشارك الشاعر خالد إغبارية بفقرة شعرية عبّر فيها عن ارتباط الإنسان الجسراوي بأرضه وذاكرته، مشيراً إلى أن الشعر والتوثيق يلتقيان في نقطة واحدة، هي حماية الحقيقة الإنسانية من النسيان، وتحويل الذاكرة إلى قوة قادرة على الاستمرار.
حوار حول الذاكرة والتاريخ الشفوي
وتضمنت الأمسية حلقة نقاشية أدارتها الأستاذة وسيمة عمّاش، التي شددت في كلمتها على أهمية توثيق التاريخ الشفوي ودور الأرشيف في إعادة بناء الرواية المحلية. ولفتت إلى أن الحضور الواسع للشباب والشابات يعتبر مؤشراً إيجابياً على تنامي الوعي الثقافي لدى الجيل الجديد، واهتمامه بتاريخ قريته وهويتها.
من جانبه، أشار الكاتب سمير أبو الهيجاء إلى أن عملية جمع الشهادات امتدت لسنوات، مضيفاً: "حرصنا على أن يكون هذا الكتاب منصة لأصوات أهل جسر الزرقاء، وأن نعتمد على الشهادات الحية والوثائق الأصلية، لأن الرواية الحقيقية تنبع من الناس أنفسهم، ومن علاقتهم العميقة بالأرض والمكان." وتطرق أبو الهيجاء في مداخلته لحياة المرأة الجسراوية ونضالها من اجل الصمود والبقاء.
وقال المؤلف والباحث في التراث البحري سامي العلي خلال الأمسية إن "هذا المشروع ليس مجرد عمل توثيقي، بل هو فعل استعادة للذاكرة الجمعية، ومحاولة جادة لإعادة الاعتبار لشهادات الناس البسطاء الذين عاشوا التاريخ وصنعوا ملامحه." وأضاف العلي "إن توثيق الرواية المحلية هو مسؤولية أخلاقية وتاريخية لضمان نقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة. ونحن نطمح إلى تطوير هذا المشروع ليشمل مزيداً من الوثائق والصور والشهادات، وربطه بمشاريع رقمية وثقافية تضمن استدامة الذاكرة."
وأكد المؤرخ د. جوني منصور، الذي شارك في الحلقة الحوارية، على الأهمية التاريخية للكتاب ودوره في تثبيت الرواية المحلية ضمن السياق التاريخي العام، قائلاً: "تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يستند إلى الشهادات الحية والأرشيف، وهما معاً يشكلان الأساس الأكثر مصداقية في كتابة التاريخ. إن التاريخ لا يُكتب فقط من خلال الوثائق الرسمية، بل أيضاً من خلال ذاكرة الناس، وهذا العمل يقدّم نموذجاً علمياً ومهنياً لكيفية تحويل الذاكرة الشفوية إلى وثيقة تاريخية موثوقة."
وأضاف منصور "جسر الزرقاء تمثل حالة تاريخية وإنسانية فريدة، وهذا الكتاب يسهم في تصحيح الكثير من المغالطات، ويعيد تثبيت العلاقة العضوية بين الإنسان وأرضه، ويؤكد أن الرواية المحلية ليست مجرد سرد، بل هي جزء لا يتجزأ من التاريخ الفلسطيني العام."
وخلال النقاش، شدد المشاركون على ضرورة مواصلة العمل البحثي والتوثيقي، وإصدار طبعات مستقبلية موسعة من الكتاب، بما يعزز حضور جسر الزرقاء في السياق التاريخي الفلسطيني العام.
واختُتمت الأمسية بمداخلات لشخصيات جماهيرية وأدبية وإعلامية وشبابية، عبّرت عن تقديرها لهذا الإنجاز الثقافي والتوثيقي، مشيدةً بالجهد البحثي الذي بذله المؤلفان في جمع وتوثيق هذا الإرث التاريخي. كما جرى تكريم الكاتبين سمير أبو الهيجاء وسامي العلي، تقديراً لإسهامهما في حفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز الوعي التاريخي، وسط أجواء احتفالية عكست اعتزاز المجتمع المحلي بهذه المبادرة الثقافية، التي تشكل محطة مهمة في مسار توثيق تاريخ جسر الزرقاء وصون روايتها للأجيال القادمة. May be an image of text
الزيارات : 5